محمد جمال الدين القاسمي

111

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 31 ] فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 ) فَبَعَثَ أي : أرسل اللَّهُ غُراباً فجاء يَبْحَثُ أي : يحفر بمنقاره ورجله متعمقا فِي الْأَرْضِ . قال القتيبيّ : هذا من الاختصار . ومعناه : بعث غرابا يبحث التراب على غراب ميت . وكذا رواه السدّيّ عن الصحابة ؛ أنه تعالى بعث غرابين اقتتلا . فقتل أحدهما الآخر . فحفر له . ثم حتى عليه حثيا . لِيُرِيَهُ الضمير المستكن إمّا للّه تعالى أو للغراب . والظاهر ، للقاتل أخاه كَيْفَ يُوارِي أي : يستر في التراب سَوْأَةَ أَخِيهِ أي : جسده الميت . وسمّي سوأة لأنه مما يسوء ناظره قالَ يا وَيْلَتى كلمة جزع وتحسّر ، والألف فيها بدل من ياء المتكلم . والويل والويلة الهلكة أَ عَجَزْتُ أي : أضعفت عن الحيلة أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ أي : الذي هو من أخسّ الحيوانات . والاستفهام للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب فَأُوارِيَ أي : أغطي سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ أي : صار مِنَ النَّادِمِينَ أي : على حيرته في مواراته حيث لم يدفنه حين قتله . فصار أجهل من الحيوانات العجم وأضلّ منها وأدنى . وفي ( التنوير ) : ولم يكن نادما على قتله . وقال أبو الليث عن ابن عباس : لو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه . تنبيهات : الأول : ظاهر الآية أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول ، وأنه تعلم ذلك من الغراب . ولا مانع من ذلك . إذ مثله مما يجوز خفاؤه . لا سيما والعالم ، في أول طور النشأة ، وأنه أول قتيل ، فيكون أول ميت . ونقل الرازي احتمال أن يكون عالما بكيفية دفنه ، قال : فإنه يبعد في الإنسان أن لا يهتدي إلى هذا القدر من العمل ، إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافا به ، ولما رأى الغراب يدفن الغراب الآخر ، رق قلبه ولم يرض أن يكون أقل شفقة منه . فواراه تحت الأرض ، واللّه أعلم .